محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
176
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الوصول إلى اللّه تعالى لا يكون إلا بمحو صفات النفس ، وقطع علاقات الطلب ، وشيء من ذلك لا يتصوّر من العبد من حيث هو ؛ لأن ذلك طبعه وجبلّته ، ولو لم يكن إلا إرادته وعمله في تحصيل هذا الغرض بنفسه ، فهما من جملة المساوي والدعاوى المحتاج إلى محوها . قال سيدي أبو العباس المرسي ، رضي اللّه تعالى عنه : « لن يصل الوليّ إلى اللّه حتى تنقطع عنه شهوة الوصول إلى اللّه » يعني : انقطاع أدب لا انقطاع ملل . وقال سيدي أبو الحسن ، رضي اللّه عنه : « ولن يصل الوليّ إلى اللّه ومعه شهوة من شهواته . أو تدبير من تدبيراته ، أو اختيار من اختياراته » فلو خلّى اللّه تعالى عبده وذلك ، لم يصل إليه أبدا ، ولكن إذا أراد اللّه تعالى أن يوصل عبده إليه تولّى ذلك له بأن يظهر له من صفاته العلية ، ونعوته القدسية ما يغيب بذلك صفات عبده ونعوته عنه ، ويكون ذلك علامة على محبته ، كما أشار إليه بقوله في الحديث القدسي : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » « 1 » . وعند ذلك لا تكون له إرادة ولا اختيار إلا ما اختاره له مولاه وأراده ، فيكون حينئذ واصلا إلى اللّه بما من اللّه إليه من الفضل والكرم ، لا بما من العبد إليه من الاجتهاد والعمل . فسبحان المتفضل على من شاء بما شاء . لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلا للقبول . العبد مبتلّى بنظره إلى نفسه ، وفرحه بعمله من حيث نسبته إليه . وشهود حوله وقوّته عليه ، وهذا لا محيص له عنه . إلا بما شاء ربه . وقد يكثف حجابه فيرائى به ؛ ويطلب حمد الناس له ؛ وهذا كله من الشرك الخفيّ القادح في الإخلاص الحقيقي والإخلاص شرط في قبول العمل كما تقدّم . قال يحيى بن معاذ رضي اللّه تعالى عنه : « مسكين ابن آدم ، جسم معيب ؛ وقلب معيب ، يريد أن يخرج من معيبين عملا بلا عيب » . فعمل العبد لما كان بهذه المثابة لم يكن فيه أهلية لوجود القبول لولا جميل ستر اللّه تعالى وعظيم حلمه وبرّه . فليعتمد المريد على فضل اللّه تعالى وكرمه ، لا على اجتهاده وعمله . قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي ، رضي اللّه تعالى عنه : « إذا طالبهم بالإخلاص تلاشت أعمالهم ، وإذا تلاشت أعمالهم زاد فقرهم وفاقتهم فتبرّءوا عن كل شيء ومن كل شيء لهم ومنهم » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( رقاق ، 38 ) .